EN
سيتم بمشئية الله تعالى إضافة تفريغ جميع الخطب المنشورة في الموقع، ويتم التحديث تدريجيا
التحذير من كبائر الذنوب وصغائرها

الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾.

{يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها وبث منهما رجالاً كثيراً ونساءً، واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام، إن الله كان عليكم رقيباً}.

{يا أيها الذين آمنوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا، يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا}.

أما بعد :

فإن أصدق الحديث كلام الله، وخير الهدى هدى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة في دين الله بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار، أعاذني الله وإياكم وجميع المسلمين والمسلمات من النار.

أيها الناس :

يقول الله عز وجل في كتابه الكريم: ﴿وَكُلُّ شَيْءٍ فَعَلُوهُ فِي الزُّبُرِ * وَكُلُّ صَغِيرٍ وَكَبِيرٍ مُسْتَطَرٌ﴾، وقال الله عز وجل: ﴿وَوُضِعَ الْكِتَابُ فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ وَيَقُولُونَ يَا وَيْلَتَنَا مَالِ هَذَا الْكِتَابِ لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِرًا وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا﴾.

بين ربنا جل وعلا في هذه الآيات الكريمات أن الذنوب والمعاصي منقسمة إلى قسمين: كبائر وصغائر، وقد قال الإمام ابن القيم إنه قد دل على ذلك دليل الكتاب والسنة والإجماع والاعتبار الصحيح، وسردها رحمة الله عليه.

وحذر الله جل وعلا من كبير الذنوب وصغيرها، وبين خطرها وعظيم شرها، ومآلها على عاملها ومقترفها في الدنيا وفي الآخرة، وأوجب الله عز وجل من الكبائر التوبة، وجعلها في حق صاحبها مفسقة مخرجة من العدالة موجبة لرد الشهادة.

وجعل للصغائر أحكاماً، فمنها أنه أيضاً يجب منها التوبة، وقد ذكر أدلة ذلك الحافظ ابن رجب رحمه الله عليه، ومنها قوله عز وجل: ﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ﴾ إلى قوله: ﴿وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَ الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾، ومجرد النظر من الصغائر عند عامة العلماء، وفي قوله عز وجل: ﴿وَلَا تَنَابَزُوا بِالْأَلْقَابِ بِئْسَ الِاسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الْإِيمَانِ وَمَنْ لَمْ يَتُبْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾، فأوجب منها التوبة.

وهي أيضاً محصاة مكتوبة لا يغادرها الملائكة كما سمعت في الآيات: ﴿وَكُلُّ صَغِيرٍ وَكَبِيرٍ مُسْتَطَرٌ﴾، ﴿لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا﴾.

فلا تظن حين تسمع أن الصغائر تكفر بالأعمال الصالحات من الصلاة والصدقة والجهاد والحج والوضوء ونحو ذلك أنها لا تكتب، بل تكتب وتحصى، ثم إذا وجد سبب محوها محيت، وعفا الله عز وجل عنها.

والكبائر في أصح ضابط لها: ما فيه حد في الدنيا، أو عليه وعيد في الآخرة بدخول النار، أو تحريم الجنة، أو قال فيه: "ليس منا"، أو توعد عليه بغضب أو وعيد شديد، والصغائر: ما ليس فيها ذلك، لا حد في الدنيا ولا وعيد خاص في الآخرة.

قال الإمام ابن تيمية رحمه الله: وهذا الضابط أصح ضابط لأمور، وذكر جملة منها: أنه المحفوظ عن السلف، ومنها: أنه المدلول عليه بدليل الشرع، ومنها: أنه أصح ضابط يفرق به بين الكبائر والصغائر.

ومن أحكام الصغائر أنها تكفر إذا اجتنب المسلم الكبائر بما في ذلك إقامة الفرائض، فإن تضييع الصلاة والزكاة والحج والطهارة وغيرها كبيرة، قال الله: ﴿إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ﴾ قال المفسرون: أي الصغائر، ﴿وَنُدْخِلْكُمْ مُدْخَلًا كَرِيمًا﴾، وقال الله: ﴿وَالَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ إِلَّا اللَّمَمَ إِنَّ رَبَّكَ وَاسِعُ الْمَغْفِرَةِ﴾ أي غير اللمم، فالله عز وجل يغفرها إذا أقام العبد الفرائض واجتنب الكبائر.

ويؤيده مثل حديث قول النبي صلى الله عليه وسلم: «إِذَا اجْتُنِبَتِ الْكَبَائِرُ» أي في تكفير الصلوات الخمس.

وقد بين النبي عليه الصلاة والسلام أن المسلم إذا توضأ خرج مع الماء ما كسبه بعينه من الصغائر كنظرة ونحوها، ومع يده ما كسبه من الصغائر بيده كلطمة ونحوها، وهكذا قال عليه الصلاة والسلام: «أَلَا أَدُلُّكُمْ عَلَى مَا يَمْحُو اللهُ بِهِ الْخَطَايَا، وَيَرْفَعُ بِهِ الدَّرَجَاتِ؟ إِسْبَاغُ الْوُضُوءِ عَلَى الْمَكَارِهِ، وَكَثْرَةُ الْخُطَا إِلَى الْمَسَاجِدِ، وَانْتِظَارُ الصَّلَاةِ بَعْدَ الصَّلَاةِ، فَذَلِكُمُ الرِّبَاطُ».

وقد حذر ربنا جل وعلا من الاستهانة والمجاهرة ولو بالصغائر، وقال أهل العلم: لا صغيرة مع الإصرار.

وفي البخاري عن انس رضي الله عنه قال -يخاطب بعض التابعين-: إنكم لتعملون أعمالاً هي أدق في أعينكم من الشعر، إن كنا لنعدها على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم من الموبقات، قال أبو عبد الله الإمام البخاري: يعني من المهلكات.

وهذا دليل على أن من الناس من يستهين ببعض المعاصي وهي عظيمة عند الله عز وجل فيها هلكته.

وفي البخاري عن ابن مسعود رضي الله عنه قال: إن المؤمن يرى ذنوبه كأنه قاعد تحت جبل يخاف أن يقع عليه، وإن الفاجر يرى ذنوبه كذباب مر على انفه فقال به هكذا، قال الراوي: فأشار بيده على أنفه.

ومن حديث أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها وسهل بن سعد وغيرهما رضي الله عنهم التحذير من محقرات الذنوب: «إِيَّاكُمْ وَمُحَقَّرَاتِ الذُّنُوبِ، فَإِنَّ لَهَا مِنَ اللهِ طَالِبًا»، «إِيَّاكُمْ وَمُحَقَّرَاتِ الذُّنُوبِ، فَإِنَّمَا مَثَلُ مُحَقَّرَاتِ الذُّنُوبِ كَمَثَلِ قَوْمٍ نَزَلُوا بَطْنَ وَادٍ، فَجَاءَ ذَا بِعُودٍ، وَجَاءَ ذَا بِعُودٍ حَتَّى أَنْضَجُوا خُبْزَتَهُمْ، وَإِنَّ مُحَقَّرَاتِ الذُّنُوبِ مَتَى يُؤْخَذْ بِهَا صَاحِبُهَا تُهْلِكْهُ» أو قال: هلكت، الحديث في المسند وغيره.

وهكذا ربما استهان العبد بكلمة، كما في البخاري عن أبي هريرة رضي الله عنه وفيها هلاكه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إِنَّ الْعَبْدَ لَيَتَكَلَّمُ بِالْكَلِمَةِ مِنْ سَخَطِ اللهِ لاَ يُلْقِي لَهَا بَالاً، يَهْوِي بِهَا فِي جَهَنَّمَ».

وفي حديث بلال «لا يظن أن تبلغ ما بلغت يَكْتُبُ اللهُ لَهُ بِهَا سَخَطَهُ إِلَى يَوْمِ يَلْقَاهُ» لا يُلقي لها بالا، حال كثير من الناس يذنب الذنب ولا يلقي له بالا يتبعه بالتوبة إلى الله عز وجل، وهي مطلوبة من كل ذنب صغير أو كبير بدليل الكتاب والسنة.

ومن أحكام الصغائر أنه لا صغيرة في حقوق البشر المالية، حقوق المعصومين المالية، ويرشد إلى ذلك قوله صلى الله عليه وسلم: «مَنِ اقْتَطَعَ حَقَّ امْرِئٍ مُسْلِمٍ بِيَمِينِهِ، فَقَدْ أَوْجَبَ اللهُ لَهُ النَّارَ، وَحَرَّمَ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ»، قال رجل -وقد علم وهو عربي من مقتضى اللفظ العام من إلا أنه أراد التثبت واستعظم هذا الأمر-: أوَجَبَ اللَّهُ لَهُ النَّارَ وَحَرَّمَ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ! قال: وإن كان عوداً من أراك، من اقتطع من حق امرئ مسلم بيمين فهذا العموم يقتضي بقاءه على عمومه وشمول جميع الأفراد من صغير وكبير، ومع هذا ساله الصحابي رضي الله عنه فقال: وإن كان عوداً من أراك؟ قال: «وَإِنْ كَانَ عُودًا مِنْ أَرَاكٍ».

وفي الصحيح في قصة الغال الشملة: قال: إنها لتحترق عليه، فجاء رجل بشراك فقال: هذا أخذته من مغانم خيبر، قال: «شِرَاكٌ مِنْ نَارٍ» أو قال: «شِرَاكَانِ مِنْ نَارٍ».

 

الحمد لله رب العالمين وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمداً عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً.

بين ربنا جل في كتابه، وهكذا بين رسولنا صلى الله عليه وسلم خطر الذنب وشؤم المعصية على صاحبها وعلى الفرد والجماعة في الدنيا وفي الآخرة، ومن اعظم ذلك أنها سبب النكبات والمصائب التي تحل بالفرد والجماعة، قال الله عز وجل: ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ﴾، {ويعفو عن كثير}.

 

ومن ذلك أنها سبب للذلة والصغار والضعف والهوان في الفرد والجماعة، قال الله عز وجل: ﴿وَالَّذِينَ كَسَبُوا السَّيِّئَاتِ جَزَاءُ سَيِّئَةٍ بِمِثْلِهَا وَتَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ مَا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ عَاصِمٍ﴾.

ومن ذلك ضيق العيش والنكد والهموم والغموم والاحزان التي تلازم أهل المعصية لله رب العالمين، وإن ترأسوا واكلوا وشربوا ما شاؤوا، وركبوا ما شاؤوا، إلا أن في قلوبهم من الضيق والهم والأحزان ما لا يدركونه بالمال، تذهب عنهم السعادة ويذهب عنهم الخير، قال الله: ﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا﴾، فإن له معيشة ضنكاً.

ومن ذلك ذهاب البركات، ذهاب البركات، قد توجد الأرزاق والخيرات والخزائن وتوجد الكنوز ويوجد المخزون العظيم مما يحتاجه الناس، لكن تنتزع البركة لما عندهم من الآثام والمعاصي والسيئات التي يجاهرون بها ربهم جل وعلا.

فيا أيها المسلم اتق الله، يا أيها المسؤول اتق الله، أَدِّ ما عليك من المسؤولية، فإن خيانة المسؤولية شرها عظيم على الأمة وعلى الجماعة، أيها المسلم اتق الله، راقب الله عز وجل، احذر من عقوق الوالدين، واحذر من أذية الجار، واحذر من الغش والكذب والخيانة والزور والتزوير والشهادة به، واحذر من جميع ما يغضب الله عز وجل.

قال الله ولو أن أهل القرى آمنوا واتقوا لفتحنا عليهم بركات من السماء والأرض ولكن كذبوا فأخذناهم بما كانوا يكسبون، وقال الله عز وجل: ﴿وَتِلْكَ الْقُرَى أَهْلَكْنَاهُمْ لَمَّا ظَلَمُوا﴾، وقال: ﴿وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مِنْ كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ﴾.

وقال عليه الصلاة والسلام: «مَا مِنْ ذَنْبٍ أَجْدَرُ أَنْ يُعَجِّلَ اللهُ لِصَاحِبِهِ الْعُقُوبَةَ فِي الدُّنْيَا مَعَ مَا يَدَّخِرُ لَهُ فِي الآخِرَةِ مِنَ الْبَغْيِ وَقَطِيعَةِ الرَّحِمِ»، وقطيعة الرحم.

ومن أمثلة ذلك على مستوى الفرد ما في الصحيحين أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: «الْبَيِّعَانِ بِالْخِيَارِ، فَإِنْ صَدَقَا وَبَيَّنَا بُورِكَ لَهُمَا فِي بَيْعِهِمَا، وَإِنْ كَذَبَا وَكَتَمَا مُحِقَتْ بَرَكَةُ بَيْعِهِمَا»، المعصية محق للبركات، توجد خيرات ويوجد خزائن في بطن الأرض ويوجد خير كثير، لكن نزعت البركة من الناس، علينا جميعا أن نتوب إلى الله: ﴿وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَ الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾، ﴿وَمَنْ لَمْ يَتُبْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾.

نسأل الله جل وعلا بمنه وكرمه وجوده وإحسانه أن يهدي من ضل، وأن يرد من زل، وأن يغفر للمسلمين والمسلمات والمؤمنين والمؤمنات الأحياء منهم والأموات.

اللهم اصلح أحوال المسلمين عامة، اللهم اصلح أحوال المسلمين والمسلمات في هذا البلد خاصة، اللهم من أرادنا وأراد بديننا ودعوتنا وخيراتنا وأخوتنا سوءاً فاجعل تدبيره تدميراً عليه واجعل السوء يحيط به من كل جانب يا قوي يا متين.

والله أعلم وأحكم، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه.

والحمد لله رب العالمين.